أبي الفرج الأصفهاني

28

الأغاني

رأيت طارقا ببابي ، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قمّ ، فسررت به ، وكأنّ إنسانا لطم وجهي ، لأنّه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه ، فقمت فسلَّمت عليه ، وأدخلته منزلي ، وأخذت خفّين كانا لي أتجمّل بهما ، فدفعتهما إلى جاريتي ، وكتبت معهما رقعة إلى بعض معارفي في السّوق ، أسأله أن يبيع الخفّين ويشتري لي لحما وخبزا بشيء سمّيته . فمضت الجارية وعادت إليّ وقد اشترى لها ما قد حدّدته له ، وقد باع الخفّين [ 1 ] بتسعة دراهم ، فكأنّها إنما جاءت بخفّين جديدين . فقعدت أنا وضيفي نطبخ ، وسألت جارا لي أن يسقينا قارورة نبيذ ، فوجّه بها إليّ ، وأمرت الجارية بأن تغلق باب الدّار مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه ، ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف . يصل إليه رسول يزيد بن مزيد ويدفع إليه عشرة آلاف درهم فإنّا لجالسان نطبخ حتى طرق الباب طارق ، فقلت لجاريتي : انظري من هذا . فنظرت من شقّ الباب فإذا رجل عليه سواد وشاشيّة ومنطقة ومعه شاكريّ ، فخبّرتني بموضعه فأنكرت أمره [ 2 ] ، ثم رجعت إلى نفسي فقلت : لست بصاحب دعارة ، ولا للسّلطان عليّ سبيل . ففتحت الباب وخرجت إليه ، فنزل عن دابّته وقال : أأنت مسلم بن الوليد ؟ قلت : نعم . فقال : كيف لي بمعرفتك ؟ قلت : الَّذي دلَّك على منزلي يصحّح لك معرفتي . فقال لغلامه : امض إلى الخيّاط فسله عنه . فمضى فسأله عنّي فقال : نعم هو مسلم بن الوليد . فأخرج إليّ كتابا من خفّه ، وقال : هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إليّ ، يأمرني ألَّا أفضّه إلا عند لقائك ، فإذا فيه : إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه / هذه العشرة آلاف درهم ، الَّتي أنفذتها تكون له في منزله ، وادفع ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمّل بها إلينا . فأخذت الثّلاثة والعشرة ، ودخلت إلى منزلي والرّجل معي ، فأكلنا ذلك الطعام ، وازددت فيه وفي الشّراب ، واشتريت فاكهة ، واتّسعت ووهبت لضيفي من الدّراهم ما يهدي به هديّة لعياله . يذهب إلى يزيد وينشده قصيدة في مدحه وأخذت في الجهاز ، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرّقّة إلى باب يزيد ، فدخل الرّجل وإذا هو أحد حجّابه ، فوجده في الحمّام ، فخرج إليّ فجلس معي قليلا ، ثم خبّر الحاجب بأنّه قد خرج من الحمّام ، فأدخلني إليه ، وإذا هو على كرسيّ جالس ، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة ، وبيده هو مرآة ، ومشط يسرّح لحيته ، فقال لي : يا مسلم ، ما الَّذي بطَّأ بك عنّا ؟ فقلت : أيّها الأمير ، قلَّة ذات اليد . قال : فأنشدني . فأنشدته قصيدتي الَّتي مدحته فيها : أجررت حبل خليع في الصّبا غزل وشمّرت همم العذّال في عذلي فلما صرت إلى قولي : لا يعبق الطَّيب خدّيه ومفرقه ولا يمسّح عينيه من الكحل [ 3 ]

--> [ 1 ] في ف والمختار : « الخف » . [ 2 ] في ما : « أمري » . والشاشية : العمامة . والمنطقة : الحزام ينتطق به . والشاكري : الأجير . [ 3 ] في الأغاني 5 / 44 ، وابن خلكان 2 / 284 : « كفيه ومفرقه » . وجاء في شرح الديوان - 13 : « لا يعبق الطيب خديه ومفرقه أي لا يلصق بهما . ولا يمسح عينيه من الكحل أي لا يتكحل . . . يطعن بذلك على بني عمه الذين كانوا أقبلوا إلى أبيهم ليلا متعطرين ، وأقبل هو إليه في السلاح » .